انتشار فيروس كوفيد-19 وآثاره على الاقتصاد العالمي

شكّل فيروس كوفيد-19 مأساة بشرية ألقت بظلالها على كل جوانب الحياة البشرية في الكوكب، وأثرت على ملايين الناس، وعطلت حركة الاقتصاد العالمي فشهدت مؤشرات الأسواق في جميع أنحاء العالم انخفاضات كبيرة في ضوء تراجعات القيم السوقية للكثير من الأسهم حول العالم بنسب تتراوح بين 10% و50% خلال الأسابيع القليلة الماضية، وعمّق هذه التراجعات نشوب حرب اقتصادية بين منتجي النفط أدت إلى تراجع أسعاره بأكثر من 20% حتى اليوم. ومع أن الصورة تبدو اليوم سلبية والأجواء ضبابية، فإن خبراء يرون أن تراجعات الأسواق المالية تطرح فرصًا ذهبية للاستثمار طويل الأجل، لكن قبل الإقدام على هذا لابد لقادة الأعمال من دراسة السيناريوهات المتوقعة. ولهذا نشرت شركة ماكينزي المتخصصة في الأبحاث تقريرًا عن رؤيتها لتطورات الوضع من زاوية التأثير على الشركات وفق آخر المعطيات المتوفرة اليوم.

الحالة اليوم

يقدم الموقع (https://www.worldometers.info/coronavirus) تحديثًا حيًا للوضع العالمي لانتشار فيروس كوفيد 19، ويبدو أن ثقل الانتشار انتقل من الصين وشرق آسيا إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، لكن ما زالت المراحل التالية لتفشي المرض غير مؤكدة برأي شركة ماكنزي (الشكل 1).

إلا أن السيناريو السائد الذي يركز على حالة الوباء العالمي والتي تأثرت بها الأسواق وواضعي السياسات ما زالت ممكنة لكنها تتجاهل بصورة غير متوازنة إمكانية التوصل إلى نتيجة متفائلة أكثر. ولهذا تحدد ماكنزي ثلاثة سيناريوهات اقتصادية محتملة لتأثير الفيروس على أعمال الشركات، وسلاسل الإمداد، وتنصح الشركات بسبع خطوات للاستعداد للتأثيرات المحتملة.

ما الذي نعرفه عن كوفيد-19 وما الذي ما زلنا نكتشفه

ما نعرف:

يتفق علماء الأوبئة عمومًا على أن:

  • الفيروس ينتقل بسهولة من شخص لآخر، وبإمكان الشخص الواحد أن يتسبب بعدوى بمعدل يبلغ 1.6 و2.4 شخص. وبالمقارنة فإن الانفلونزا الموسمية تنتقل بمعدل 1.2 إلى 1.4 شخص.
  • يؤثر الفيروس أكثر على كبار السن فمعدل الوفيات بين المرضى الذين يبلغون من العمر 80 عامًا أو أكبر كان سبعة أضعاف المتوسط، وثلاثة إلى أربعة أضعاف المتوسط للمرضى في عقد السبعينيات.

ما زلنا نكتشف:

ثلاث خصائص للفيروس غير مفهومة تمامًا لكنها تؤثر على كيفية تطور المرض، والسيناريو الاقتصادي المتوقع:

  • حجم الحالات المعتدلة التي لم تكتشف: تظهر على بعض المصابين أعراض خفيفة (أو لا تظهر) لذلك قد تفوت أنظمة الصحة العامة إحصاء هذه الحالات، ولا نعرف إن كانت الإحصائيات الرسمية تتحدث عن 80 في المئة أو 50 في المئة أو 20 في المئة من الحالات.
  • الموسمية: لا يوجد دليل حتى الآن عن موسمية الفيروس، مع أن إصابة البشر بالفيروسات التاجية ظاهرة موسمية لأسباب غير مفهومة تمامًا، فمثلًا، ل تشهد المناطق ذات درجات الحرارة المرتفعة (مثل سنغافورة والهند وإفريقيا) انتشارًا سريعًا للمرض.
  • الانتقال دون أعراض: الأدلة متضاربة عن أن الأشخاص المصابين لكن دون أعراض بإمكانهم نقل الفيروس، ولا يعرف بعد مدة حضانته بدقة، ولا يرعف إن إذا كان النقل دون أعراض هو المحرك الرئيسي للوباء، فذلك يتطلب تدابير مختلفة على مستوى الصحة العامة.

الأثر الاقتصادي

ترى شركة ماكنزي أن أمامنا ثلاثة سيناريوهات اقتصادية مرتبطة بانتشار كوفيد 19، فإما انتعاش سريع، وإما تباطؤ عالمي، وإما ركود ناتج عن الوباء، ويبدو أن التوقعات التشاؤمية السائدة التي تصرفت وفقها الأسواق واستجاب لها واضعي السياسات لا تأخذ بموضوعية إمكانية حدوث مسار أكثر تفاؤلاً لتطور كوفيد 19.

الانتعاش السريع

في هذا السيناريو تفترض ماكنزي أن عدد حالات الإصابة بالفيروس سيستمر في التزايد بسبب قدرة الفيروس العالية على العدوى، ما سيؤدي حتمًا إلى انخفاض في طلب المستهلكين على السلع، لكن معظم البلدان ستتمكن من السيطرة السريعة على المرض بنموذج مشابه للذي شهدناه في الصين، وسينحسر فيها القلق العام بعد أن يصل إلى ذروته في غضون أسبوع إلى أسبوعين، نتيجة الانخفاض في معدلات الوفيات بين الأطفال والبالغين في عمر العمل حتى إن اقترن ذلك باستمرار انتشار الفيروس. ومع هذا سيبقى البالغون في سن العمل متوجسين من إصابة آبائهم وأصدقائهم وجيرانهم الأكبر سنًا ويتخذون خطوات لضمان سلامتهم. أما كبار السن وخاصة ممن يعانون من أمراض أخرى فسيبتعدون عن ممارسة الأنشطة الخارجية، وسيواصل معظم الأشخاص البعيدين عن تجمعات الإصابة حياتهم اليومية العادية.

يفترض السيناريو أن الأجيال الشابة ستغير بعض العادات اليومية (تكرار غسل الأيدي أكثر مثلً)، لكنهم لن يدخلوا في وضع حياة الطوارئ للمحافظة على الحياة، بل سيتخذون خطوات أخرى، مثل العودة مبكرًا إلى المنزل والتوقف عن إرسال الأطفال إلى المدرسة. ويفترض هذا السيناريو أن الفيروس موسمي.

ووفق السيناريو الذي تعاونت ماكنزي على تطويره بالشراكة مع أوكسفورد إيكونمكس إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي للعام 2020 سينخفض من 2.5% وفق التقديرات السابقة إلى نحو 2.0%، وستكون أكبر العوامل المؤثرة في ذلك انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للصين من نحو 6% إلى 4.7%، وانخفاض نقطة واحدة في نمو الناتج المحلي الإجمالي لشرق آسيا، وانخفاض يصل إلى 0.5 نقطة مئوية للاقتصادات الكبيرة الأخرى في العالم. وسيتعافى الاقتصاد الأمريكي بحلول نهاية الربع الأول، وفي الوقت ذاته تستأنف معظم مصانع الصين إنتاجها، لكن دون تعافي ثقة المستهلك تمامًا حتى نهاية الربع الثاني في العام الجاري.

التباطؤ العالمي

يفترض هذا السيناريو أن معظم البلدان لن تتمكن من تحقيق المستوى ذاته من السيطرة السريعة على تفشي الفيروس كما فعلت الصين، وسيكون معدل انتقال العدوى في أوروبا والولايات المتحدة مرتفعًا، لكنه سيبقى محصورًا محليًا، مع اتخاذ الأفراد والحكومات إجراءات مضادة قوية (إغلاق المدارس وإلغاء الأحداث العامة).  ويفترض هذا السيناريو وفق ماكنزي أن لا تتجاوز عدد الحالات 500 ألف حالة في الولايات المتحدة الأمريكية وأن تتركز الحالات في منطقة واحدة بنسبة 50% وأن تتوزع معظم الحالات الأخرى على عدد قليل من البلدان، مع بعض الانتشار في إفريقيا والهند ومناطق أخرى ذات كثافة سكانية عالية، لكن قابلية انتقال الفيروس تنخفض بشكل طبيعي بحلول ربيع نصف الكرة الشمالي.

، سيؤثر التباطؤ العالمي في هذا السيناريو وفق ماكنزي على الشركات الصغيرة والمتوسطة بحدة أكبر، وستعاني الاقتصادات الأقل نموًا أكثر من الاقتصادات المتقدمة، ولن يتساوى التأثير على جميع القطاعات، بل سيكون أكبر على قطاعات الخدمات، كالطيران والسفر والسياحة، وستفوت شركات الطيران موسم ذروة السفر في الصيف، ما يؤدي إلى إفلاس بعضها وتسريع الاندماجات بين عدد آخر منها.،

وفق هذا السيناريو سيؤدي الانخفاض الحاد في طلب المستهلكين إلى تأثير كبير على العديد من الشركات الاستهلاكية (ومورديها) التي تعمل بهوامش ربح ضئيلة، لكن الطلب على السلع سيعود بين مايو/أيار ويونيو/حزيران نتيجة تراجع القلق بشأن الفيروس. وستتأثر معظم القطاعات الأخرى، بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي الوطني والعالمي، فمثلًا ستظل أسعار النفط أقل من المتوقع حتى الربع الثالث.

الركود نتيجة الوباء

لا يختلف هذا السيناريو عن سابقه وفق ماكنزي إلا بأنه يفترض بأن الفيروس غير موسمي (لا يتأثر بصيف نصف الكرة الشمالي)، وعندنا سيستمر التفشي خلال الربع الثاني والربع الثالث مسببًا إغراق أنظمة الرعاية الصحية في مختلف بقاع العالم، مؤخرًا انتعاش ثقة المستهلك إلى الربع الثالث أو ما بعده. وينتج عن هذا السيناريو ركود وانخفض النمو العالمي في العام 2020 إلى ما بين 1.5% و0.5% فقط.

إجراءات مضادة

تقترح ماكنزي سبعة إجراءات تستطيع الشركات بجميع أنواعها اتخاذها لإدارة الأزمة وتخفيف آثاراها عليها:

حماية الموظفين: تؤثر أزمة كوفيد 19 على الناس عاطفيًا فتغير حياتهم بطرائق غير مسبوقة. ولهذا يجب أن تغير الشركات أساليب عملها، وأن تنفذ خطة لدعم الموظفين وفق أفضل المبادئ التوجيهية المناسبة لها، مع توفير استقلالية أكبر للأفراد ليشعروا أنهم قادرون على التعامل مع أي موقف يتطور بسرعة، وتعزيز الاتصالات ثنائية الاتجاه معهم ومراقبة الالتزام بالسياسات الجديدة.

تكوين فريق/فرق استجابة لتطورات كوفيد 19 متعدد الوظائف: بجب أن يقدم الفريق تقاريره مباشرة إلى الرئيس التنفيذي لقيادة جهود الاستجابة، ويجب أن يشرف الفريق على صحة الموظفين، وقدرتهم على أداء أدوارهم، ومعالجة الضغط المالي ووضع خطة الطوارئ، ومراقبة سلسلة الإمداد، ومتابعة التسويق والمبيعات والاستجابة لتغيرات الطلب، والتنسيق والاتصال مع الجهات المعنية، ويجب أن يكون لهذه الفرق أهداف تحدد كل 48 ساعة، وكل أسبوع، وتحدث باستمرار للتكيف مع المتغيرات.

الحرص على توفير السيولة الكافية: على الشركات أن تضع نماذجها المالية (التدفق النقدي، الربح والخسارة، الميزانية العمومية) وفق كل سيناريو متوقع مع تحديد كيف تستطيع تحقيق استقرار الشركة في كل سيناريو (تخفيض التكلفة وعمليات التصفية وعمليات الدمج والاستحواذ).

المحافظة على استقرار سلسلة الإمداد: على الشركات تحديد المدى والمدة المحتملة لتعرضها لاضطرابات سلسلة الإمداد وانخفاض مستويات المخزون، مع العمل عن كثب مع الموردين ومساعدتهم عند الحاجة. ويجب أن تخطط الشركات لتحسين إدارة التوريد وضمان المرونة والقدرة على الاستجابة لزيادات الطلب المفاجئة.

الاقتراب من العملاء: تنجح الشركات التي تستثمر في قطاعات عملائها الأساسية وتتوقع سلوكياتهم، فمن المتوقع تحول الناس بشكل كبير نحو التسوق عبر الإنترنت لجميع أنواع السلع، ومنها الطعام والبقالة، ولهذا يجب أن تستثمر الشركات في توفير منصات الإنترنت المناسبة وقنوات البيع المتعددة.

التدرب على الخطة: بإمكان الشركات استخدام المحاكاة للتحقق من سيناريوهات الاستجابة المختلفة (التخطيط للطوارئ فقط، والاستجابة الكاملة، وغير ذلك).  يجب أن توضح المحاكاة من هم أصحاب القرار، والتأكد من أن أدوار القيادة واضحة.

المساهمة في جهود التصدي للفيروس: على الشركات معرفة كيفية دعم جهود الاستجابة، مثل توفير الأموال أو المعدات أو الخبرة، كأن تعمل على تحويل الإنتاج إلى صناعة الأقنعة والملابس الطبية.

زر الذهاب إلى الأعلى