كيف تساعد الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة الاقتصاد بعد انقضاء وباء كوفيد-19

صبت الحكومات الخليجية جل تركيزها على تنويع مصادر دخلها لاستبدال اعتمادها الكلي على النفط والغاز المتوقع نضوبهما خلال القرن أو نصف القرن المقبلين، وأحرزت دول منها خطوات مهمة لتأمين مستقبل مستدام على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

وشملت تلك الخطوات، قطاعات اللوجستيات والتجزئة والتجارة الإلكترونية، والسياحة، وازداد التركيز على الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة، 12 ضعفًا بين العامين 2008 و2018، عقب معاناة القطاع الطويلة من ضعف التمويل والاهتمام على الرغم من حمله لآفاق واعدة.

ويمتاز الاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة بأنه يمنح البلدان منافع عديدة؛ منها خفض التكاليف وتقليل انبعاثات الكربون واستهلاك المياه وخلق فرص العمل، فضلًا عن سهولة إقامة منشآتها مقارنة بنظيراتها من المحطات التي تعتمد على الوقود الأحفوري مع تمتعها بمستوى أمان أعلى.

ولأن دول مجلس التعاون الخليجي تتلقى كميات وافرة من ضوء الشمس، فهي تشكل بيئة خصبة لإنتاج الطاقة الشمسية صاحبة الحصة السوقية الأكبر للطاقة البديلة في الوقت الراهن. وتتمتع المنطقة أيضًا برياح عالية السرعة وخاصة في سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية صاحبتي الاستثمارات المتزايدة في مزارع الرياح.

وبفضل انخفاض تكاليف تقنيات الطاقة المتجددة، وتنامي الوعي بأهميتها، تعهدت دول مجلس التعاون الخليجي بالتوسع فيها. وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة المتجددة أن تخفض خطط دول المجلس انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 136 مليون طن بحلول العام 2030، وتأتي في مقدمتها دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، بنسبة 39% (وهما السوقان الأكبر حجمًا بين دول المجلس) مع خلق نحو 220500 فرصة عمل.

تبعات كوفيد-19

أدت تبعات جائحة كوفيد-19 إلى تعزيز التوجه نحو استخدام الطاقة المتجددة وجعلتها أكثر جاذبية في ظل الركود الاقتصادي العالمي وتذبذب أسعار النفط. وتزامن هذا مع ارتفاع الأصوات التي تحذر من خطر التغير المناخي على الأمن الغذائي، وتأثير ارتفاع درجة الحرارة على ازدياد انتشار الأمراض عالميًا، واحتمال تسببه بحدوث جائحة عالمية أخرى، فضلًا عن تأثيره السلبي على التنوع الحيوي، ما يبرز الحاجة إلى استخدام الطاقة النظيفة وتقليل البصمة الكربونية وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.

حزم تحفيزية

بإمكان دول مجلس التعاون الخليجي تعزيز استخدام الطاقة النظيفة من خلال تقديم حزم تحفيزية، فقطاعا البناء والتشييد -مثلًا- مسؤولان عن 36% من استخدام الطاقة عالميًا، وعن 39% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وقد يؤدي رفع معايير المباني من ناحية كفاءة استخدام الطاقة لتصبح حائزة على تصنيف الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة، إلى تحسين كبير في كفاءة استهلاك الطاقة في المدن. وسيزداد الطلب على الطاقة النظيفة وستزدهر مصادر الطاقة المتجددة. وسيؤدي الاستثمار أيضًا في الأبنية الموفرة للطاقة؛ مثل المدارس والمستشفيات إلى النتيجة ذاتها، وهو نهج بدأته الولايات المتحدة الأمريكية عقب أزمة 2008، وأدى إلى توفير 200 ألف وظيفة.وفعلًا حازت عدد من مشاريع دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية على هذا التصنيف؛ مثل مدينة مصدر في إمارة أبوظبي، وجامعة الملك عبد الله السعودية للعلوم والتقنية.

الاستثمار في تقنيات الثورة الصناعية الرابعة

يتطلب نمو الإنتاج الصناعي زيادة في استهلاك الطاقة، لكن لخفض استهلاك الطاقة يمكن اتباع المقاربة ذاتها في قطاع التصنيع، فمن خلال تمويل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة واستثمارها؛ مثل الحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء والذكاء الصناعي والروبوتات والبيانات الضخمة، ستنخفض التكاليف وتتحسن الإنتاجية ويقل الفاقد، وسيصبح الإنتاج مستدامًا وصديقًا للبيئة في الوقت ذاته.

وبدعم الحكومات لعمليات التحول إلى تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، ستصبح المصانع الذكية السمة المميزة للتصنيع في المستقبل، ما يسهل لامركزية استخدام الطاقة، وسيتيح مستقبلًا دمج شبكات طاقة مستقلة تعمل على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بالشبكة العامة، ويدفع باتجاه إنشاء شبكات طاقة افتراضية. وسينتج عن الجمع بين توليد الطاقة المستدامة والثورة الصناعية الرابعة، التقاء توليد الطاقة واستهلاكها في المصانع الذكية، ما سيتيح استعمال الطاقة وحفظها وتخزينها بذكاء وكفاءة للمساعدة على تخفيف الأحمال القصوى.

دعم وسائل النقل الكهربائية

سيساعد تطوير السيارات الكهربائية وترويجها على تقليل استهلاك الوقود على مستوى العالم، لكن هذا يتطلب توفير البنى التحتية لها، ويبقى الأمل على توفير الحوافز المالية الحكومية، وتعزيز مشاريع القطارات الكهربائية وقطارات الأنفاق من استخدام الطاقة النظيفة، ودعم تصنيع البطاريات، وكل ذلك سيوفر فرص عمل غير مباشرة في مجال تركيب وصيانة معدات توريد المركبات الكهربائية.

وفي ظل الزيادة السكانية للمنطقة، وازدياد الطلب على الطاقة، وإلى جانب الجهود الحكومية للترويج للممارسات الصديقة للبيئة واستخدام الطاقة المتجددة، قد تشجع الحوافز المقدمة إلى قطاعات متنوعة على استخدام الطاقة النظيفة، مع ضرورة تبني الحكومات لسياسات وتشريعات تمكن القطاع وتدعم رفده بالموارد البشرية بما يضمن مستقبلًا أكثر استدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى