هل نتجه نحو مدن نظيفة خالية من الملوثات بعد كوفيد-19؟

أحالت جائحة كوفيد-19 شوارع المدن المكتظة والملوثة في مختلف مدن العالم إلى مساحات خاوية، ما أدى إلى انخفاض شديد في الملوثات، وأهمها ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد النتروجين والجسيمات الدقيقة، وحولت بعض المدن الشوارع الخالية من السيارات إلى مناطق للتنزه أو لركوب الدراجات الهوائية لمساعدة المواطنين على التباعد الجسدي.

وأعلنت مدينة ميلان الإيطالية -مثلًا- عن نيتها تحويل 35 كيلومترًا من شوارعها إلى مسارب للدراجات الهوائية بعد انتهاء الجائحة، لتصبح سباقة في المساعي العالمية لجعل المدن أقل تلوثًا.

الأثر البيئي

وكان تأثير الجائحة على البيئة مدهشًا أثناء الإغلاق، إذ هبطت انبعاثات الوقود الأحفوري بنسب كبيرة، نتيجة توقف السيارات والنقل العام والسفر بأشكاله كافة، وانخفضت انبعاثات الكربون في الصين الشعبية -مثلًا- بين يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2020، بنسبة 25%، وانخفض الهواء الملوث في دلهي بنسبة 75%، وانخفضت أكاسيد النتروجين السامة في العاصمة الفرنسية بنسبة مماثلة.

وترافق خلو الشوارع من السيارات، بازدياد أعداد راكبي الدراجات، بمعدلات كبيرة جدًا، لأنها وسيلة تنقل فردي بالإضافة إلى جهاز لممارسة الرياضة، ما حدا بمدن عديدة إلى تخصيص أماكن أكثر لها، من مسارات خاصة ومواقف وإغلاق بعض الشوارع في وجه السيارات.

ما بعد الإغلاق

ومع بدء الدول في تخفيف إجراءات الحجر، بدأ المسؤولون عن المدن الكبيرة بالتفكير في عالم ما بعد الجائحة، في ظل تزايد المخاوف من تجنب الناس لوسائل النقل العامة، خوفًا من الجائحة، واللجوء إلى السيارات الخاصة، ما قد يؤدي إلى اكتظاظ الشوارع من جديد، وعودة التلوث إلى المدن بشكل أسوأ من السابق.

ودفع ذلك عددًا من المدن؛ مثل ميلان ونيويورك وباريس ولندن وبودابست وبوجوتا، إلى وضع برامج لتعافي قطاع النقل، محاولين من خلالها استغلال فرصة الجائحة لتغيير نمط الحياة في المدن نحو الأفضل ومحاولة إصلاح الضرر البيئي والصحي الناتج عن شوارع اكتظت بالسيارات لقرن من الزمن، بالانتقال نحو أشكال أكثر استدامة من النقل على المدى البعيد؛ مثل توسعة الأرصفة وتقليل حدود السرعة وزيادة مساحات المشي والدراجات الهوائية، للوصول إلى ازدهار المدن وليس تعافيها فقط.

السيارات الكهربائية

وتثير قضية تقليل وجود السيارات في شوارع المدن، السؤال عن وضع السيارات الكهربائية الصديقة للبيئة وغير المنتجة لأي انبعاثات كربونية، ومصيرها في مدن المستقبل، في ظل ارتفاع مبيعاتها إلى 2 مليون سيارة في العام 2018، مع توقع وصول الرقم إلى 56 مليونًا بعد عقدين من الزمن.

ويشير الخبراء إلى أن السيارات الكهربائية لها سلبياتها في الوقت الحالي؛ مثل ارتفاع أسعارها، وحاجتها إلى نقاط شحن عديدة ومشاركتها في الاختناقات المرورية داخل المدن، وعلى الرغم مما سبق إلا أن السيارات الكهربائية وخصوصًا التشاركية منها ستصبح جزءًا من بنية تحتية للنقل متعدد الوسائل في مدن المستقبل.

الخطوة المقبلة

وعلى الرغم من أن المستقبل يبقى غامضًا، إلا أن انخفاض نسب التلوث وتحسن نوعية الهواء في المدن حول العالم فتح الأعين على أهمية الوعي البيئي، في ظل إظهار الدراسات لدور التلوث في زيادة نسب الوفاة من فيروس كوفيد-19، وفي نشره أيضًا.

وتقف عوائق عديدة في وجه خطط تقليل وجود السيارات في شوارع المدن؛ تشمل عوائق سياسية وعملية واقتصادية، مع صعوبة إقناع الناس بالتخلي عن السيارات العاملة على الوقود الأحفوري، دون تأمين بديل عملي واقتصادي، ما يحتم على صناع القرار توفير خيارات نقل آمنة ونظيفة وأقل ازدحامًا وأكثر كفاءة، وهذا يتطلب بذل الجهود ورسم الخطط الطموحة لمدن صحية خالية من الملوثات.

ربما نكون بعيدين عن الاستغناء عن السيارات، ولكن ونحن نشهد تعافي العالم تدريجيًا من الصدمة الجماعية، التي ألمت به بسبب أزمة كوفيد-19، ربما على المعنيين حشد إرادة الشعوب أيضًا لمكافحة مسألة صحية خطيرة أخرى، ألا وهي الهواء الملوث الذي يقتل سنويًا 4.2 مليون إنسان.

زر الذهاب إلى الأعلى