علماء يبتكرون بوابات منطقية بروتينية تحول الخلايا إلى حواسيب

يُعرف علم الأحياء التركيبي بأنه دراسة كيفية هندسة الخلايا لمنحها وظائف جديدة تتيح لها تنفيذ برامج متطورة؛ مثل اكتشاف الحالات المرضية والاستجابة لها، من خلال تحرير جينوم الخلية، ما يتسبب في تعديل دائم ينتقل إلى الأجيال اللاحقة من الخلايا.

والهدف الأساس لعلم الأحياء التركيبي هو نقل هذا التحول إلى حلول جينية لا تعمر طويلًا، فتؤدي غرضها وتزول بعد ذلك؛ على غرار استخدامنا لشريط لاصق قابل للإزالة، بدلًا من الغراء القوي، والهدف تطوير دارات علاجية نستطيع إدارتها لتنفذ وظيفة محددةً، ثم تختفي بمجرد تلبية الغرض منها. والجانب الممتاز فيها قابليتها للتوجيه ومهاجمتها أهدافها الدقيقة، بدلًا من التأثير على جميع الخلايا عشوائيًا، إذ بإمكان الدارات العلاجية اكتشاف حدوث خطأ معين على المستوى الخلوي ثم إصلاحه.

وللتحرير الجيني يستعان بمجموعة تقنيات تعديل جيني تعيد كتابة المادة الوراثية للكائن الحي، وهي أكثر دقة بكثير من التقنيات السابقة للهندسة الوراثية، وتهدف إلى علاج أمراض كثيرة؛ منها الإيدز والتهاب الكبد الفيروسي والسرطان وغيرها من الأمراض المستعصية. وأحدث ذلك تحولات جوهرية في أبحاث الطب الحيوي، في الأعوام الأخيرة، ويأمل الباحثون استخدامه لتعديل جينات البشر بغرض القضاء على الأمراض والتخلص من مسبباتها، أو إكساب النباتات قوة تحمل أكبر.

وتشهد الأدوات المستخدمة لتشغيل أجهزة الحاسوب تطبيقات جديدة حاليًا، تساعد في التحكم بالحياة على المستوى الجزيئي، وقد تُشكِّل التطورات الجديدة مستقبل الطب والبيولوجيا التركيبية.

وفي هذا الإطار؛ ابتكر فريق بحثي من كلية الطب في جامعة واشنطن، بروتينات صناعية تعمل كبوابات منطقية جزيئية، وتستخدم تمامًا مثل الدارات الإلكترونية لبرمجة السلوك في أنظمة أكثر تطورًا. والبوابة المنطقية التقليدية هي دارة إلكترونية لها مخرج واحد، إذ تُجري عملية منطقية على المُدخَل وتنتج المُخرَج المطلوب. ونشر الفريق الدراسة في مجلة ساينس الأمريكية.

ورأى الفريق أن البروتينات الجديدة، ستُنظِّم التعبير الجيني داخل الخلايا التائية البشرية؛ والتعبير الجيني هو عملية يتم من خلالها استخدام المعلومات الجينية لاصطناع منتجات جينية وظيفية، ما يُحسِّن من متانة وسلامة العلاج القائم على الخلايا مستقبلًا.

ونقل موقع فيز دوت أورج البريطاني، عن ديفيد بيكر، كبير مؤلفي الدراسة وأستاذ الكيمياء الحيوية في كلية الطب ومدير معهد تصميم البروتين، أن «المهندسين الحيويين صنعوا سابقًا بوابات منطقية من الحمض النووي (دي إن إيه) والحمض النووي الريبي (آر إن إيه) والبروتينات الطبيعية المعدلة مسبقًا، إلا أنها لم تبلغ المثالية المطلوبة، وبواباتنا المنطقية المبنية من بروتينات مصممة من الصفر، أكثر تنوعًا وستُستخدم في مجموعة واسعة من التطبيقات الطبية الحيوية.»

وتستشعر البوابات المنطقية البيولوجية والإلكترونية الإشارات وتستجيب لها، وفقًا لوظيفة محددة مسبقًا. وإحدى أبسط هذه البوابات ما يُسمى بوابة الاقتران آند؛ وهي بوابة منطقية تستعمل للربط بين مُدخلَين أو أكثر عن طريق ما يعرف بالعطف المنطقي، ولا تعطي مخرجات إلا في حال اقتران مُدخلَيْها؛ ومثال ذلك في لوحة مفاتيح الحاسوب إذ يطبع الحاسوب حرف إيه كبيرًا إذا ضغطنا مفتاح شفت مع زر الحرف إيه. وتكمن جاذبية البوابات المنطقية في إدخال خصوصية التحكم هذه في أنظمة الهندسة الحيوية.

وتؤدي مُدخلات مثل آند، بالخلية، إلى إنتاجٍ فريد؛ مثل تنشيط أو قمع جين معين إذا كانت البوابات الصحيحة تعمل داخل الخلايا الحية؛ وقال زيبو تشين، المؤلف الرئيس للدراسة وطالب الدراسات العليا في الجامعة «بُني حاسوب أبولو 11 الإرشادي كاملًا من بوابات الاختيار السالبة أو بوابات (نور) ونجحنا في صنع بوابات اختيار سالبة تعتمد على البروتين. وهي ليست معقدة مثل حواسيب الإرشاد المعقدة التابعة لوكالة الإدارة الأمريكية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) إلا أنها خطوة أساس نحو برمجة الدارات البيولوجية المعقدة من الصفر.»

وفي العام 2018؛ أشار الباحث مايكل إلويتز، أستاذ علم الأحياء والهندسة البيولوجية والباحث في معهد هارفرد الطبي، إلى أن «أحد أكبر التحديات في الطب الحيوي هو النوعية، وكيف نجعل علاجًا ما مؤثرًا على نوع معين من الخلايا، وتحديد آلية استجابتنا لتعديل الخلية بطريقة محددة. فهذا النوع من العلاج غير مجدٍ باستخدام الدواء، لكن يمكن الوصول إلى علاج ناجع باستخدام الدارات البيولوجية القابلة للبرمجة لتتمكن من إدراك المعلومات ومعالجتها والاستجابة لها بطرق مختلفة.»

وطور فريق من الباحثين في معهد كاليفورنيا للتقنية، في العام 2018 مجموعة أدوات بيولوجية من البروتينات يمكن تركيبها معًا بطرق مختلفة؛ مثل قطع لعبة مكعبات الليغو، لبرمجة سلوكيات جديدة في الخلايا الحية. وصمم الباحثون وصنعوا لإثبات فكرتهم دارة تُضاف إلى خلايا بشرية تنمو في طبق مخبري، مهمتها اكتشاف احتماليات نشاط الجين المُسبِّب للسرطان في هذه الخلايا، ثم تحفز الدارة الخلايا المصابة، على التدمير الذاتي. ونفذ الباحثون مشروعهم في مختبر مايكل إلويتز؛ أستاذ علم الأحياء والهندسة البيولوجية والباحث في معهد هارفرد الطبي الأمريكي. ونشروا بحثهم في مجلة ساينس الأمريكية.

وطور باحثون من جامعة واشنطن، في العام 2017، طريقة أخرى لتحويل الخلايا إلى حواسيب تعالج المعلومات رقميًا بدلًا من اتباع الطرق التقليدية، من خلال بناء نسخ خلوية لبوابات منطقية توجد عادة في الدارات الكهربائية.

وفي العام 2016؛ طور باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية، لغة برمجةٍ تسمح لصانعي الآلات في المستقبل، ببرمجة الخلايا الحية وتزويدها بدارات مرمزة بالحمض النووي تمنحها مجموعة كبيرة من الوظائف الجديدة في الكائن الحي.

زر الذهاب إلى الأعلى